2023-0021

من التجارب الفكرية الممتعة اللي باحب إني أمارسها مع نفسي , و مع بعض الأشخاص اللي لما باتكلم معاهم باحس إنهم محتاجين يجربوها . هي : إتخيل إنك ( CEO لأى شركة من الشركات اللي تحلم بيها أو تسمع عنها ).

السبب إني باكتب عن الموضوع ده دلوقتي , غير كمية الأخبار و الهيجان اللي حاصل في السوق بشكل عام .. ( بنوك بتفلس , شركات بتطلع نصابة , تاني أكبر شركات الهند إتفضحت فضيحة المتطاهر ولامؤاخذة , … ) إلا إني لسة قاري مقال سريع فكرني بـ ( Swvl ) كمان ..

و إفتكرت إزاي علي مدار ال4 سنين اللي فاتوا .. لما عملنا نقلة حقيقية فشغلنا , و إتحولنا من مجرد ( freelancers بنعمل كام سبوبة ) .. لـ ( شركة ليها مسئوليات و خطة و رؤية نسبياً . إن كان فأى دردشة سريعة علي ترابيزة طويلة صغيرة من الترابيزات اللي هي متصممة عشان تقف عليها دي في حفلات المؤتمرات الشيك . كنت تسمع كمية نصائح لا حصر لها و أسئلة عن :

و أسئلة أخري من نفس النوعية دي ..

و فاكر إني في الأول كنت فعلاً فرحان مش حاكدب إني بقيت جزء من المحادثات اللي كنت باتفرج عليها في التيليفزيون دي .. و مستمتع بالمنظر .. و بعدين : و بعدين بدأت أحس إن الموضوع بقي بيتكرر بشكل ممل .. و إن الأسئلة دي بتتسأل زي إسطامبة مرصوصة .. مش الهدف منها مناقشة أى شيء حقيقي .. قد ما الهدف منها تقييم فترة عمر النصف للسبوبة .

فترة عمر النصف - half life time : ده مصطلح لو تفتكر درسناه في كيمياء و فيزياء أولي ثانوي , و معناه الوقت اللي بيحتاجه عنصر ما أو شيء ما عشان يفقد نص كميته علي هيئة طاقة . ( اللي هو وقت قليل جداً نسبياً للعناصر المشعة يعني ) .

المصطلح ده بينطبق بشدة علي كتيييييييير من الشركات اللي مالية السوق حالياً . أى مؤتمر أو ( قعدة شركات ) زي ( Rise up summit ) مثلاً .. و أهو جاي كمان كام يوم .. مثال رائع علي الكلام ده .

أول مرة رحت فيها ( رايز أب ) كان سنة 2016 تقريباً .. رجعت بعد ال3 أيام و عملت قاعدة بيانات ظريفة لكل الشركات اللي قدرت أجمع عنها معلومات هناك . و فاكر كويس إني رحت فارش علي أرض أوضة فاضية فشقتي في الوقت ده ..كل الكروت و الفلايرات و البروشورز اللي جمعتهم من الشركات هناك .

السبب فده هو إني كنت لسة ماقررتش إني أطلع شغلي بالكامل من مصر وقتها , و كنت لسة باحاول أخربش في عالم البيزنس .. و مش عارف أنهي معلومة حتكون مفيدة و أنهي لا .

تاني سنة ( سنة 2017 ) رحت برضو … و عملت نفس الشيء .. لكن اللي لقيته إن شركات كتير من اللي كنت مجمع كروتها و معلومات عنهم من السنة اللي قبلها مش موجودين ! . و بعد كده عرفت إنهم صفوا .. أو غيروا نشاط ..

و تالت سنة ( 2018 ) نفس الشيء .. و اللي بعدها نفس الشيء ..

بالظبط زي العناصر المشعة .. أو الزيوت الطيارة .. سيبها شوية و إرجع دور عليها حتلاقيها إختفت . … اللي فهمته بعد كده .. إن ظهور و إختفاء ال (start ups ) ده كمان بيقوم عليه سبوبات كتير جداً .. و من أكبر السبوبات دي .. هي سبوبات ال ( VCs - Venture capitals ) يعني الشركات اللي بتطلع عشان تستثمر في الشركات الصغننة دي .

الموضوع لو بسطناه لصورة هزلية حلمنتيشية للغاية .. مش عارف لو تفتكر ال( كروت ال بوكيمون ) زمان و إنت صغير ولا لا .. دي كانت كروت بتلاقيها فأكياس الشيبسي .. و تجمعها و بتبدلها مع إصحابك في المدرسة . و كل كارت كان ليه قيمة و قوة و نوع و …

ال ( VCs ) دول .. بيتعاملوا مع كتير من الستارت أبس بنفس الطريقة اللي إنت و إصحابك كنتوا بتتعاملوا بيها مع كروت البوكيمون زمان . و بيبدلوهم مع بعض , و يجمعوهم مع بعض , و يدمجوهم مع بعض , …

و لما شركة بتبدأ تكبر ( بدون أى مقياس حقيقي لقيمة منتج أو خدمة ) بتكبر بشكل كبير بسبب ( سوق التبادل و الدمج و البيع ) ده . اللي هو شركة ( بيكاتشو ) اللي بتعمل سوفتوير إدارة مشاريع مثلاً .. في ألف شركة تانيين في السوق بيقدموا سوفتوير إدارة مشاريع و مخازن و حاجات حلوة تانية كتير .

لكن شركة ( بيكاتشو ) الطلب عليها كتير ( مش علي منتجها .. لا .. عليها هي ) فبتكون النتيجة إن القيمة التسويقية للشركة بتعلي .. و بيبقي شركة ( بيكاتشو ) بقيمة 5 أو 6 شركات تانيين بقالهم 10 سنين في السوق مثلاً . …

لو إنت شايف إن كل اللي فوق ده مش مشكلة , أحب أقول لك إنك واضح إنك ماتخزوقتش في المشرمة دي قبل كده .. أو ماتعرفش حد (إنسان من لحم و دم ) إتخزوق فيها .

أكبر ضحايا الهبل و العبط اللي فوق ده .. هو البشر .. الكوادر اللي بتشتغل , الخريجين اللي بيدوروا علي الشغلانة أم لابتوب و بين باج و ستارباكس . الناس اللي بقالها سنين شغالة في شغلانة معينة فشركة و بيقبضوا راتب معين .. و بعدين يلاقوا زميل لهم فجأة نقل فشركة تانية ب5 أضعاف المرتب .. و بتشتغل جنبه بنات أساميها حلوة و حاطين روايح من فيكتوريا سيكريت . في حين إنه بيتنفس عرق زميل مكتبه اللي معاه بقاله سنين و ماشتكاش .

الضحايا دول إنت مش بتشوف أساميهم فأخبار زي : ( قامت شركة بيكاتشو بإخلاء سبيل 60% من عمالتها لتحقيق موازنة ربحية للمستثمرين ) أو
( قامت شركة شاريزارد بالإستحواذ علي شركة بيكاتشو .. و الإستغناء عن 30% من عمالتها ) . ..

ببساطة بيتم التعامل مع البشر دول كإنهم كراسي مكاتب , أو لابات مستخدمة , أو أى شيء مالوش حياة و قصص و قيمة و … و حتي دول .. بيقوم عليهم سوق و سبوبة كاملة زي شركات التوظيف اللي تارسة السوق . … …

الخزوقة اللي بيعاني منها البشر دول .. خزوقة زادت جداً و بتحصل في الوقت العجيب اللي إحنا عايشين فيه علي الكوكب ده حالياً .. بقالها 200 سنة .. لكن إزدادت جداً خلال ال30 سنة اللي فاتوا .. و زادت بشكل مش طبيعي خلال ال10 سنين اللي فاتوا .. و كل ما حتقرب لتاريخ اليوم النهاردة .. حتشوف الزيادة بتزيد .

علي مدار تاريخ البشرية .. الإنسان في حياته بيسعي ل : رقم واحد : البقاء . رقم إتنين : تحقيق الإستقرار . رقم تلاتة : تحقيق الذات . و بيعيش فمجتمع و بيقضي وقته و مجهوده جوة المجتمع ده .

روابط بتنشأ بين أفراد المجتمع , علاقات , صداقات , .. و بيتبني علي ده كل ملامح ال (حياة ) الطبيعية اللي تم تصميمنا و خلقنا كبشر عشانها . ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ) ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) .

الحياة العادية اللي إحنا كبشر متصممين عشانها .. بتاخد وقت .. بتاخد وقت عشان تفهم اللي قاعد فمكتب جنبك .. وقت عشان تعرف مين إنت مستريح معاه و مين لا .. وقت عشان تفهم دورك , قوتك , إمكانياتك الحقيقة .. تدي لنفسك وقت تجرب و تفشل و تجرب و تفشل بدون خوف من إن يتم إستبدالك . تكون مطمئن إن المجتمع اللي إنت فيه بيضمن لك حاجات أساسية حتي لو فشلت في الإنتاج في الأول ..

لأن .. إطلاقاً القيمة الحقيقية للإنتاج عمرها علي مدار التاريخ ما كانت بتتقيم بالفلوس بس . لو كل المجتمعات منذ بداية التاريخ كانت إشتغلت علي إنتاجها بمعايير زمننا الحالي .. كان زمان الدهب مالي الأرض و تم تعدينه من كل خرم و جحر في الأرض . بس ماكنش حد حيلاقي ياكل .. لأن الدهب مابيتاكلش . كيلو الدهب بيجيب آلاف الكيلوات من القمح يمكن .. لكن كيلو الدهب مايغنيش عن جرام قمح لو إنت جعان .

و عشان كده .. و علي مدار التاريخ المجتمعات إتكونت حوالين قيم حقيقية .. و قواعد منطقية .. دول و قبائل و ممالك .. كان كل فرد فيها عارف إن لو مش دوره إنه ينتج قمح .. إنه يقدر يروح لقائد المملكة أو القبيلة يطلب منه قمح .. مقابل أياً كان اللي هو شغال عليه .

و كان ذهاب أحد أفراد القبيلة أو المملكة لقبيلة أو مملكة تانية عشان يشتغل فيها .. مش حاجة عادية بتحصل بدون عواقب .. لأن مجهودك و قيمتك في المجتمع اللي إنت فيه مطلوبة .. و بتضمن لك حقوقك .. زي ما بتطلب منك واجباتك .

و حقوقك ماكانتش فلوس بس .. ماكانتش مرتب قيمته بتحدد بشكل هزلي إطلاقاً .. حقوقك كانت ( بقاء , و حياة , و زواج , و أمان , و … و كل حاجة تحتاجها عشان إنسانيتك ) .

… الشركات في الوقت الحالي .. هي الصورة الأوضح للممالك أو القبائل اللي باتكلم عليها .. الشركة دي مكان بيطلب منك علي الأقل ثلث يومك … إن لم يكن أكتر عشان ال( cost of greatness 😅 ) الشركة دي مكان بيستنزف 100% من مجهودك الذهني و العقلي و البدني .. عشان يرضي عليك مديرك و الإتش آر . الشركة دي المكان اللي بتنتظر منه إنه يديلك وسيلتك للبقاء ( المرتب ) .. و بتتمني إنه يكون كافي إنه ( المرتب ده ) يحقق لك إنسانيتك .

و لكن هي دي المشكلة .. إن الشركة دي ( و معظم الشركات العالمية حالياً ) طالما شركة خاصة … بتكون أولويتها الأولي و الأخيرة هي ال : فلوس . و الفلوس فقط .

بالتالي .. مهما كان نشاط شركتك / الستارتأب اللي إنت شغال فيها .. لو جالهم فرصة بكرة إنهم يشتغلوا في تعدين الدهب .. المستثمرين / ال VCs مش حيترددوا إنهم يبعتوا الموظفين ياخدوا كورسات تعدين دهب . و حيتم تقييمكم شهرياً بناءاً علي كمية الدهب اللي بتقدروا تعدنوها . و حتاخدوا مرتبات كبيرة جداً بناءاً علي ده . لكن .. لكن أسئلة زي : هل ده دوركم الحقيقي ؟ هل ده فعلاً اللي بيسعدكم و يحقق لكم الإستقرار النفسي ؟ هل ده اللي فعلاً مجتمعكم محتاجه ؟

كل الأسئلة دي مابتتسألش .. لأنها مش بتساعد في ال (optimizing for revenue - يعني البحث عن الربح و زيادته ) .