" بيضم شفايفه أوي كأنه بيبوس .. و يعمل صوت
عشان أمشي علي قضبان القطر مسافة محترمة نسبياً .. عشان ألحق أركب قطر الساعة 6 صباحاً من مخزن القطارات .. قبل ما يدخل محطة دمنهور ..
” بيضم شفايفه أوي كأنه بيبوس .. و يعمل صوت عالي ” .. و بعدين يقول .. ” إوعي ” ..
لمدة سنتين و نصف تقريباً ..
يومياً ..
كنت بانزل الساعة خمسة و نصف الفجر .. أمد في الشارع .. عشان ألحق أوصل محطة القطر الساعة ستة إلا عشرة تقريباً ..
عشان أمشي علي قضبان القطر مسافة محترمة نسبياً .. عشان ألحق أركب قطر الساعة 6 صباحاً من مخزن القطارات .. قبل ما يدخل محطة دمنهور ..
عشان ألاقي مكان أقعد فيه جنب الشباك ..
المكسور .. اللي مافيهوش إزاز ..
في عز التلج ..
عشان الهوا يضرب فوشي بسرعة 80 كيلو في الساعة تقريباً .. لمدة ساعة .. من دمنهور للإسكندرية ..
..
و كنت ( أنا و أمثالي من طلبة جامعة إسكندرية الدمنهوريين ) .. بنحاول نتفادي إننا نقعد جنب شباك مقفول .. أو الزجاج بتاعه سليم …
عشان نتفادي ( أبو حمص ) ..
و الأكتر ..
عشان نتفادي ( كفر الدوار ) ..
لأن المحطتين دول عندهم بيكون الإختيار بين :
إنك ( تتنفس من زجاج الشباك المكسور الهوا الساقع المتلج اللي بيضرب فوشك بسرعة 80 كيلو في الساعة ) ..
أو إنك متلاقيش حاجة تتنفسها غير الروايح ..
ريحة عرق العمال اللي بيركبوا القطر من المحطتين دول .. و مش بيلاقوا مكان يقعدوا عليه غير فوق حجرك .. مخلوطة بريحة المبولة ( مش الحمام ) المكسورة في آخر العربية .. مخلوطة بريحة أرخص سجاير فرط ممكن تتخيلها .
..
و بين الإختيارين دول ..
شخصياً كنت دايماً بافضل الهوا الساقع المتلج اللي بيضرب فوشي بسرعة 80 كيلو في الساعة .
…
…
سنتين و نص كاملين … يومياً تقريباً .. كنت مواظب فيهم علي حضور محاضرة الساعة 8.30 الصبح .. فكلية هندسة ..
و كان لازم أخوض الرحلة الظريفة السابق ذكرها دي .
…
بمجرد خروج القطر من المخزن .. و دخوله محطة دمنهور ..
تقدر تشوف تكدس خرافي من البشر علي الأبواب ..
تكدس بيبتدي من قبل ما القطر يقف ..
لا ..
الناس بتبدأ تجري ورا باب القطر .. أثناء ما هو بيمشي قبل وقوفه بفترة ..
و اللي بيقدر ينط و يدخل القطر أثناء ما هو ماشي .. بيعمل ده بدون تردد ..
لحد ما بيقف القطر .. و تلاقي الناس بتلتحم ببعضها ..
و أصوات كتير بتبدأ تعلو بصيحات مميزة و بتبقي معتادة بعد فترة ..
زي :
” الحريم الأول يا جدعان ” .
” إحجزلي جنبك يالا ” .
” الست الكبيرة شايلة يا بشر ” .
” حلاااااااااواااااا ” … ( و ده بيبقي شخص بيبيع حاجات ملزقة .. ماتاكلش منه) .
” أنا جنب الشباك يا محماااااا ” .
” الجطر مافيهوش حجز ياخواننا .. اللي يلاجي كرسي يجعد ” .
…
…
ذكريات كتير جداً ..
عقلي أيامها وجه كل طاقته .. إنه يراقب .. يتفرج .. يحاول يحلل ..
الكم الخرافي من العشوائية اللي في الصورة السابقة دي ..
كنت باحاول أدور فيه علي منطق ..
علي نظام رياضي أقدر أتتبعه .. أقراه .. عشان أفهم سبب المعاناة دي ..
المعاناة اللي كنت باعيشها بشكل يومي ..
و المعاناة اللي غيري من كل البشر دول كانوا .. و ما زالوا بيعيشوها بشكل يومي .
…
…
صعب ..
صعب جداً لو ماكنتش ركبت القطارات اللي من النوعية دي قبل كده ..
صعب إنك تتخيل ..
تفهم بالكامل اللي باتكلم عنه ..
مهما كنت عبقري في الكتابة .. و مهما كان خيالك قوي و واسع …
مستحيل تتخيل الريحة ..
مستحيل تتخيل معني إنك تقف لمدة ساعة و نصف تقريباً .. ماعندكش حرية تحرك رجلك سنتيمترات .. لأن غيرك محتل المساحة دي ..
مستحيل تتخيل إن غيرك يشوف المسافة بين رجليك و إنت قاعد .. مسافة من حقه إنه يتواجد فيها .. و يطلب منك بكل أحقية إنك تحتويه في المساحة دي .
متسحيل تتخيل ريحة و منظر شرابات و جزم العمال و أطفالهم .. و هما قاعدين و نايمين فوقك ( في مكان الشنط ) .. و تعيش لمدة ساعة و نصف فقلق دائم إن أحد منهم يفقد السيطرة علي مثانته و هو نايم .. أو بقه .. أو أى مكان بيطلع إفرازات من جسمه عموماً .
…
مستحيل تتخيل إن فوسط صفيحة السردين البشرية دي .. بعض البشر قرروا إنهم يكونوا باعة جائلين ..
ويبيعوا كل ما يمكن أن تتخيله .. و شاي بمية وسـ**** ..
و يكونوا سبب أكبر فتعاستك و معاناتك .. لأنهم بيحولوا وقفتك ( المستحيلة أساساً ) بين كتل البشر دول … لوضع غير مستقر .. دائم التغير .. لأنهم دائمي المرور و التجوال .. و بيحركوا كل العربية حواليهم .
…
…
…
…
عمري ما أنسي إن فأواسط الذكريات دي .. عقلي مختار لحظة بعينها ..
لحظة معينة جداً ..
فوسط الدوشة
و الزحمة
و القرف
و الريحة
و العرق
و التعب
و المعاناة ..
سمعت صوت شخص ما و هو بيهزر مع صاحبه تقريباً ..
” بيضم شفايفه أوي كأنه بيبوس .. و يعمل صوت عالي ” .. و بعدين يقول .. ” إوعي ” ..
…
…
فاكر إني تجاهلت كل التفاصيل السابق ذكرها دي .. و عقلي وقف عند الكلمة ..
” إوعي ” ..
فعل أمر ..
من مصدر ( الوعي ) ..
الوعي = consciousness
…
الكلمة فضلت معلقة معايا ..
و فضلت أفكر في كل معانيها لمدة طويلة ..
- هل أنا .. واعي ؟! … … ( ميكيو كاكو ) العالم الفيزيائي المشهور .. ليه حديث باحبه جداً .. بيشرح فيه مستويات الوعي المختلفة …
- أول مستوي للوعي : وعي النبات .. و ده بيكون إن النبات ككائن حي .. واعي فقط للروتين اللي ممكن يبقي علي حياته و يديله فرصة للبقاء .. و لكنه غير واعي بما فيه الكفاية إنه يتحرك ( إلا بشكل رد فعل زي نبات عباد الشمس مثلاً ) .. و غير واعي للأخطار المحيطة و مايقدرش يتفاداها مثلاً .. …
- تاني مستوي للوعي : وعي الحشرة و الحيوانات .. و ده بيكون إن الحشرة أو الحيوان .. واعي لإحتياجاته .. و الحاجات اللي هو محتاجها عشان يعيش و يستمر .. و يتكاثر .. و يتفادي بعض الأخطار .. و لكنه محدود بالوعي المكاني .. و ماعندوش وعي زماني يديله قدرة إنه يبني خطط و إستراتيجيات و تخيلات في المستقبل . …
- تالت مستوي للوعي : وعي الإنسان .. و ده بيكون إن الإنسان هو الكائن الوحيد القادر علي بناء تخيلات .. و السعي خلف تحقيق التخيلات دي عن طريق بناء إستراتيجيات .. بناءاً علي معطيات مكانية و زمانية مختلفة . … … مفهوم الوعي الإنساني .. إنه علاقة مباشرة فرؤية الإنسان للمستقبل .. و قدرته علي السعي و تحقيق الرؤية دي .. خلاني بشكل كبير أحس بمدي تقصيري لمدة طويلة فحياتي .. مدة طويلة كنت بتجاهل القدرة دي علي الوعي اللي ربنا خلقها جوانا .. و كنت عايش بمستوي وعي ( حيواني أو حشري ) .. بشكل ( reactive ) جداً .. يعني فقط عايش ك ( رد فعل ) .. … … منتظر دائماً إن حاجات معينة تحصل حواليا .. تغيرني أو تغير الواقع المحيط بيا .. و سعيي لتغيير الواقع المحيط بيا .. او تغيير ذاتي نفسها .. كان دايماً محدود جداً .. إن لم يكن منعدم .. بسبب قوة الدفع الهائلة الناتجة عن المجتمع المحيط بيا … بالظبط زي عربية القطر و الجحافل اللي متكدسة جواها .. مستوي وعيي الإنساني بكل ما فيه من قدرات .. أصبح محدود و متكتف و أسير القفص المعدني ده .. علي قضبان .. محاط بمساجين زيي .. و كلنا بنتحرك بسرعة واحدة .. و هي سرعة القطر .. في إتجاه واحد . … … بالتأكيد دي ماكنتش كل حياتي .. هي مجرد مرحلة مؤقتة .. ساعات أو دقائق محدودة .. و بعدها أنا حر .. و بعدها أنا حانزل من القطر .. و أكون حر أكون ما أكون .. و أفعل ما أفعل .. … و لكن الحقيقة هي إني كنت بانزل من عربية القطر الزحمة جداً … لرصيف محطة زحمة جداً .. عشان أمشي فشارع زحمة جداً .. عشان أرجع فبيتي و أوضتي .. و ما زالت أفكاري أسيرة زحمة أفكار تانية .. وعيي كان ” مفعوص ” .. بين خوف من المستقبل و الماضي و الحاضر .. و كنت باتحرك بناءاً علي سرعة و حركة كل حاجة حواليا .. مش بناءاً علي أى دافع من جوايا .. … … … …
- لو كنت نبات .. كان رد فعلي بناءاً علي إدراكي السابق حيؤدي إني بس أحاول أتغذي أكتر من التربة اللي أنا فيها .. لأني ماكنتش حاقدر أسعي إني أتحرك من التربة دي .. و أروح لتربة مختلفة . …
- لو كنت حشرة أو حيوان .. كان رد فعلي بناءاً علي إدراكي السابق حيؤدي إني أتحرك من المكان اللي أنا فيه .. و أحاول أروح مكان تاني مختلف فيه أكل أكتر .. أو إناث أكتر من فصيلتي أتزاوج معاهم . …
- و لكن أنا إنسان .. معني كده إن البعد الزيادة اللي أقدر أتحرك فيه ( زيادة عن الحشرة و الحيوان و النبات ) … هو بعد ال … زمن .. … فبالتالي .. رد فعلي كان إني أتحرك في الزمن .. أبدأ أتخيل المكان اللي أحب أكون فيه كمان يوم … شهر .. سنة .. و بعدين أبدأ أخطط ليه .. و بعدين أبدأ أنفذ .. … أبدأ أعيش بناءاً علي صورة مش موجودة إطلاقاً النهاردة .. و لكنها موجودة كمان سنة .. … أدرس يومياً .. و أنتج يومياً .. بدون أى توقع أو تطلع لنتيجة إنتاجي ده .. لأني المفروض علي وعي كامل .. إن نتيجة إنتاجي ده مش موجودة النهاردة .. أو بكرة مثلاً .. و لكنها ممكن تكون موجودة كمان سنين … .. و لما بالفعل أوصل للزمن ده .. و أوصل للصورة اللي إتخيلتها و سعيت إليها .. حاكون خلاص إتعلمت .. إتعلمت إزاي ” أوعي ” … و حاكون بالفعل متخيل صورة مختلفة .. لشخص مختلف … في زمن لسة حييجي كمان .. … … … … … … مكتبي فأزحم منطقة عيادات و مكاتب فمدينة دمنهور ” أرض الميري - شارع عرابي ” .. و نتيجة لكدة .. إني مباستخدمش عربيتي إطلاقاً عشان أروح هناك .. و معظم الأيام اللي باكسل أمشي أو باكون مستعجل .. باستخدم ( تاكسي ) .. … … و أصبحت ماهر جداً في حوارات ال ( 10 دقايق ) مع سواقين التاكسي المختلفين دول .. و أحد الحوارات المعتادة و اللي بتتعاد كتير .. بتحصل لما أركب مع سواق تاكسي فإيده سيجارة .. أو يبتدي يولع سجارة و أنا راكب .. .. فأطلب منه إنه يطفيها ( لأى سبب مقنع ) .. فيعمل ده علي إستياء منه .. فأبدأ أدعي له بصوت عالي و بضحكة محشرجة عشان يفكر إني ” إبن سوق ” زيه … و أقوله :
- هع هع هع .. معلش يا صاحبي .. ربنا يتوب عليك منها .. .. فيرد عليا بعبارات من نوعية :
- أمين يا هندسة … هي إبتلاء و الواحد كارهها ..
- إدعيلي يا دكترة .. دي مضيعة فلوس الواحد .. و الواحد مش عارف يتلايم علي الجنيه .
- بحاول يا أوستاذ .. بس كل ما أبطل يومين .. تحصل حاجة تحرق أعصابي .. فأضطر أرجع لها تاني .
- أنا بطلت علي فكرة قبل كده يا برنس … بس رجعت لها بشوقي .. و ممكن أبطلها فأى وقت يعجبني تاني ..
…
…
و الكثير و الكثير من العبارات المشابهة ..
..
عبارات كلها تحمل نفس المعني ..
إنه أسير شيء ما ( هو كارهه ) .. بيمتص فلوسه و مجهوده و صحته .. مقابل لحظات بسيطة من وهم تسكين الألم .. و مش قادر يتخلص منه …
باحس إنه إنسان .. ترك إنسانيته .. و تدني بمستوي وعيه .. لمستوي ( الحيوان أو الحشرة ) .. لأنه غير قادر علي تخيل مستقبل لنفسه بدون السيجارة اللي بتستعبده دي .
..
و بعدين باحس إنه تدني لمستوي أقل كمان في الوعي … لمستوي ( النبات ) .. لأنه أصبح غير قادر علي مفارقة السيجارة و البعد عنها .. علي العكس من أى حيوان أو حشرة ممكن يبعد عن الشيء اللي بيسبب له مرض أو خطر .
…
و بعدين باحس إنه تدني لمستوي أقل في الوعي … إنه حتي بالرغم من إدراكه لخطر زي خطر السيجارة مثلاً .. إلا إنه ما زال بيجبر أنظمة جسمه علي إمتصاص سمومها .. علي عكس أى نبات حيرفض إستهلاك السموم دي و يموت .
…
…
…
و بعدين ألاقيه راح مطلع دماغه من الشباك ..
و بص لواحد صاحبه ماشي أو سايق جنبه ..
و ..
” ضم شفايفه أوي كأنه بيبوس .. و يعمل صوت عالي ” .. و بعدين قال
.. ” إوعي ” ..
… … و الله أعلم .