" إلعب يا باتمااااااااااااااااان "
في ظلام السينيما اللي بتضيئه بس الشاشة الضخمة .. و أثناء ما بيبتدي فيلم " the flash " اللي لسة نازل جديد .. و اللي في أول مشاهد فيه بيظهر باتمان و هو بيعمل شوية أكشن .
” إلعب يا باتمااااااااااااااااان ”
في ظلام السينيما اللي بتضيئه بس الشاشة الضخمة .. و أثناء ما بيبتدي فيلم ” the flash ” اللي لسة نازل جديد .. و اللي في أول مشاهد فيه بيظهر باتمان و هو بيعمل شوية أكشن . إنطلق طفل برئ عنده 6 سنين بأعلي صوته بيقول بالجملة اللي كتبتها فوق دي .. ” إلعب يا باتماااااااااااااااااان ” . … عادي .. طفل برئ إنطلقت منه جملة بعفوية .. و أهله أكيد دلوقتي حيسكتوه .. و لكن الحقيقة كانت أقسي بمراحل .. الجملة دي ما كانت غير القطرة اللي بتنزل علي قفاك بالصدفة .. فبتبص لفوق و تبدأ تكتشف فجأة إن السماء مغيمة .. و تدريجياً .. بيبدأ المطر ينهمر .. و العاصفة تكتمل . … الطفل البرئ اللي عنده 6 سنين ده .. طلع واحد من ضمن مجموعة فيها 20 طفل .. و العياذ بالله .. بتتراوح أعمارهم بين ال6 سنين ل 10 سنين .. إتفقت أمهاتهم تقريباً علي إنهم يقضوا اليوم في المول .. و قرروا إن أنسب مكان يرموا فيه عيالهم لحد ما يخلصوا فسحتهم في المول .. هو السينيما . و من كل الأفلام اللي موجودة .. قرروا إنهم يختاروا فيلم ( the flash ) . و من كل الحفلات اللي كان ممكن يختاروها .. إختاروا الحفلة اللي أنا تواجدت فيها .. و عدد بسيط من العواجيز أمثالي اللي بيعتبروا السينيما مكان بنفس رونق الأوبيرا … و إن أقسي صوت مسموح إنك تسمعه أثناء الفيلم .. هو صوت مضغ الفشار علي إستحياء . … الفيلم مدته 3 ساعات تقريباً . علي مدار الساعة و نصف الأولي من الفيلم .. تحولت السينيما لفصل حضانة و إبتدائي بكفاءة .. و إضطريت لتعلية صوتي أنا و غيري أكتر من مرة طالبين بإن الأطفال يخفضوا أصواتهم ( لأننا ماكناش نعرف في الوقت ده تفاصيل الرحلة العائلية اللي شرحتها فوق ) . .. و في البريك ( الإستراحة بين جزئين الفيلم ) .. قمت أشوف تفاصيل الموضوع .. عشان ترد عليا أم كانت متواجدة مع الفصل ده جوة الفيلم ب:
- الأطفال دول مش مسئوليتي .. أنا إبني واحد منهم فقط .. و قاعد جنبي و ساكت و مابيعملش صوت … لكن أصحابه دول أهاليهم برة .. و مش مسئوليتي … و من فضلك ماتزعقش للأطفال 🙂. .. طلعنا لإدارة السينيما برة .. و ناقشناهم فإن : 1- الفيلم مصنف إنه لفوق 12 سنة . 2- ماينفعش بأى شكل ولا منطق إن الأطفال دول يتواجدوا بكل حريتهم ( اللي من حقهم بكل تأكيد ) جوة قاعة سينيما .. لأن بالمنظر ده حرية كل الباقيين بيتم إنتهاكها .. لأن مستحيل تتحكم في 20 طفل في السن ده . .. رد الموظفين بكل أدب إنهم حيحاولوا يتخذوا اللازم .. و إنهم حيعلوا صوت الفيلم جداً ( من الأساس الصوت كان واطي للغاية كمان ) . و إنهم حيحاولوا يشوفوا أهالي الأطفال دول فين . … و قبل إنتهاء الإستراحة بدقائق معدودة .. سمعنا صوت نسائي بينطلق بأعلي نبرة تهديد تقدر عليها فوسط السينيما بتقول : ( ماحدش حيكلم الإطفال .. ماااااحدش حيكلم الأطفاااااااااااال .. و أنا باكرر أهه .. و باسمع كل الموجودييييييييين … ماحدش حيكلم الأطفاااااااااااال ) . . قمت من مكاني و رديت عليها بإن :
- يا فندم حرية الأطفال في كونهم أطفال محدودة بقدرتك علي التحكم فيهم و إنهم مايإذوش غيرهم في مكان أساساً مش مخصص ليهم . و إن في أفلام كتير برة مخصصة لسنهم .. .. و طبعاً .. لا حياة لمن تنادي .. كررت الأنثي نفس كلامها بنفس نبرة التهديد .. بشكل كان واضح معاه إنها سابت المنطق برة علي باب المول قبل الدخول . و بكل تأكيد مش حتجادل مع أنثي بدون منطق 😅😅 .. ده تعريف واضح للجنون يدركه كل الرجال بلا إستثناء . … و هنا كانت إختياراتي محدودة جداً : 1- إما إني أقرر إني حرقت نص الفيلم علي نفسي .. و أطلع و أدخله فوقت تاني ( و ده مش سهل بالنسبة لوقتي و جدولي ) .. و حابقي كدرت نفسي . 2- أكمل الفيلم و أبذل كل مجهودي فإني أتجاهل فصل حضانة اللي ورايا ده . … إخترت الإختيار التاني .. و عقلي مليان بأفكار كتير عن : ( مصائب عشوائية الإختيارات السهلة ) . .. خليني أشرح : .. .. أحد التجارب الحياتية اللي ممكن أرشحها كوسيلة تعذيب قاسية للغاية .. و ماعتقدش إن أكثر النفوس النازية مرضاً كانت وصلت لها .. هي إنهم يجبروا إنسان علي إنه يسوق سيارة في أحد الأسواق الشعبية المصرية الأصيلة . و علي سبيل المثال لا الحصر : باكوس و فلمنج .. من جوة .. مش من عالطريق برة . . تكرر معايا كذا مرة في بدايات تعلمي للسواقة ( و خصوصاً إني باتوه بسهولة بدون خرائط جوجل ) .. إن خرائط جوجل ترشح لي طريق مختصر يوصلني للجهة اللي عايزها بسرعة . و بالنسبة لخرائط جوجل من خلال القمر الصناعي .. الطريق فعلاً مختصر .. أصله فاضي جداً .. بالكاد فيه عربيتين أو تلاتة .. يبقي أكيد فاضي .. صح ؟ غلط . . هو فيه عربيتين تلاتة فعلاً .. و لكن فيه أيضاً 4350 بائع جائل قرر إنه يفرش بضاعته علي الأرض .. فجأة . و فيه 5968 محل .. قرروا إن الشارع قدام محلهم ملك خاص بيه … و إنه من حقه يعتبره إمتداد لمحله .. و يحط فيه بضاعته .. و عفشه .. و فبعض الأحيان حمامه الخاص كمان . و في المساحات الصغيرة جداً اللي فاضله علي الأسفلت .. أثبتت التكاتك خطأ أحد الأسس العلمية الأولي .. ألا هي ( المادة لا تفني و لا تستحدث من العدم ) . أنا دلوقتي شغال علي نظرية إني أكمل المبدأ ده .. و أضيف له كلمتين : إلا التكاتك . التكاتك بتستحدث و تنشأ من العدم … و لكنها لا تفني .. بتفضل .. و بتتكاثر . . بيئة مصر خصبة للغاااااااااااااية .. كل اللي إنت محتاجه هو شوية هوا ملوثين بعوادم و دخان سجاير .. و شوية مية وسخين مطرطشين من المحلات و البلكونات و أشياء أخري .. و قليل من عصارة ريحة العرق .. و فجأة حتلاقي التكاتك بدأت تزرع و تتكاثر و تنتشر .. … … السبب في الوصول للصورة الكارثية اللي شرحتها فوق دي .. هو : مصائب عشوائية سهولة الإختيار . . الإختيار السهل ليا كصاحب محل .. إني أعتدي علي الشارع قدامي . الإختيار السهل ليا كبائع جائل .. إني أعتدي علي الشارع قدامي. الإختيار السهل ليا كمستثمر .. إني أستثمر في البيئة دي بالشيء السهل ( اللي هو إديهم تكاتك ) . الإختيار السهل لسواق التوكتوك .. إنه يسوق من أقصر طريق ممكن .. عشان يكسب أكتر . . كل إختيار من دول .. كان سهل .. الأصعب .. كان إني ألتزم بمساحة المحل بتاعي .. حتي لو غيري إعتدي علي الشارع . الأصعب .. كان إني أدور علي مكان مناسب أبدأ فيه تجارتي بشكل مناسب .. حتي لو كان غيري فرش فنص الشارع . الأصعب .. كان إني أحاول أستثمر في البيئة دي و وعيها بالصعب .. مش أستفيد منها بالسهل . الأصعب .. كان إني ألتزم بقواعد المرور .. حتي لو غيري مالتزمش بيها . .. و بتكون النتيجة من إن الإختيارات السهلة دي بتتراكم .. هو بيئة كاملة العشوائية .. بكل ما فيها من مصائب و كوراث أول المصابين منها هما أهلها . … … أهالي الأطفال في السينيما إختاروا الأسهل .. و ده اللي أدي للوضع اللي عانينا منه أنا و باقي العواجيز أمثالي . … … كل شيء في الكون مخلوق مجبر علي الطريق الأسهل له .. الحيوان مايقدرش يقرر إنه ماياكلش النهاردة عشان يقدر ياكل بكرة .. إلا لو كان ربنا خالقه بآلية البيات الشتوي ( زي النمل مثلاً ) … و لنا في النمل آيات . . المية حتسلك أقصر طريق بين نقطتين . الأشياء تسلك أقصر طريق عشان تقع علي الأرض بحكم الجاذبية . النباتات تسلك أقصر طريق ممكن في نموها . . قانون الإقتصاد ( سلك أقصر طريق بإستهلاك أقل موارد ممكنة من أجل البقاء ) .. قانون أساسي … إلا الإنسان .. ربنا كرمه بالعقل .. و الوعي .. إنه يختار الأصعب .. بالرغم من وجود السهل الممتع الجذاب .. و أحيان كتير ربنا أمرنا بإختيار الصعب .. فقط لإثبات قدرتنا علي الإختيار .. و فقط لتحقيق الطاعة كعبد لمعبود . . أحد التعريفات الأساسية للوعي .. هو إن الإنسان يفكر و يخطط للمستقبل .. فتكون نتيجة كده إنه يغير تصرفاته في الحاضر .. و ده التعريف الأساسي لل ( إستثمار ) . و تجربة المارشميلو الشهيرة دليل ضخم علي ده … ......... اللي أثار كل الأفكار دي في عقلي دلوقتي .. هو إن المدينة الرابعة اللي بنيتها في ( cities skylines ) بدأت تنهار .. بعد ما فاق عدد سكانها ستين ألف . بسبب .. عدم حسابي و تخطيطي لل (مرور ) . الشاحنات و العربيات و الأوتوبيسات .. كلها بتتبع نفس القانون : إختيار أقصر طريق . . و بما إني إكتفيت ببناء شبكة مرور و فرحان بإن كل الطرق بتوصل لبعضها بكفاءة .. و كنت نسيت إني مسئول عن حساب معدلات التكدس .. النتيجة كانت تكرر حوادث إختناق مروري مزعجة جداً .. أدت لإنهيار أجزاء كتير من المدينة . . كان المفروض إني أخطط لده من اللحظة الأولي .. من ساعة ما كان كل حاجة سهلة و متاحة .. كان المفروض إني أختار الأصعب .. الأطول .. و أبعد عن السهل المباشر المتاح .. . لو كنت عملت ده .. كان زماني دلوقتي في مكان تاني خالص .. و مدينتي كانت تقدر تكبر أكتر . … … بافتكر كل الكلام اللي فوق ده .. مع كل إختيار باتواجد قدامه دلوقتي ..
- أذاكر ولا ماذاكرش .
- أنام و أأنتخ .. ولا أنزل الجيم … و بكل تأكيد .. هل ممكن أوصل في حياتي لمرحلة إني أتخلص من أطفالي إن شاء الله في السينيما لبضع ساعات .. حتي لو ده حيعكنن علي كل الموجودين ؟ … … … *** بسبب إن مدير السينيما بعد إنتهاء الفيلم قابلني و إعتذر لي بحرفية و أسلوب راقي .. و مضي لي علي التذكرتين إني أدخل أى فيلم آخر كهدية منه تعويضاً لما حدث . قررت إني ماذكرش إسم السينيما .