لو محتاجين نتكلّم و مافيش حد يسمعنا .. نعمل إيه
لو محتاجين نتكلّم و مافيش حد يسمعنا .. نعمل إيه ؟
لو محتاجين نتكلّم و مافيش حد يسمعنا .. نعمل إيه ؟ … في الفيلم الشهير الرائع ( Cast away ) بتاع توم هانكس لما بيقع علي جزيرة لوحده .. و يعيش عليها لوحدة مدّة طويلة .. بيواجه آلام الجوع .. و بيتعلّم يصطاد .. بيواجه آلام أسنانه ( زي حالاتي حالياً 🥲 ) .. و بيخلع ضرسه بمٌعاناة .. بيواجه آلام البرد .. و بيولّع نار بالطرق البدائية الأولي .. و بيواجه آلام الوحدة .. و يعمل إيه ؟! .. بيرسم وش بدائي علي كورة ماركتها إسمها ( ويلسون ) .. و بيسمّي الكورة ( ويلسون ) .. و علي مدار الفيلم بيفضل يكلمه و يحكي له و يدردش معاه .. زي أى صديق تماماً .. و لما بيبني قارب بدائي و ينزل بيه البحر محاولة في العثور علي أى سفينة تنقذه .. ويلسون بيغرق منه بعيد .. و بيبكي عليه بحٌرقة و ألم .. بالظبط كإنه فقد إنسان حقيقي .. صديق حقيقي .. شريك حقيقي .. … صعب جداً .. جداً .. إنك تلاقي إنسان مايعرفش الألم ده ( ألم الوحدة ) .. النادر جداً جداً هو إنك تلاقي إنسان بطبيعته بيحب الوحدة أو يستمتع بيها .. . في ناس كتير بتوصل للمرحلة دي فعلاً .. إنهم يبقوا بيحبّوا الوحدة و يستمتعوا بيها و يفضلوها .. و لكن ده بيكون شيء مٌكتسب .. و بيحصل بعد مراحل كتير من المٌعاناة الطبيعية مع البشر . و مش بيكون إستمتاع بالوحدة .. قد ما بيكون إدراك إن أحياناً كتير مٌعاناة الوحدة بتكون أخف بكتير من مٌعاناة الخذلان و التعامل مع البشر . . في ناس كتير بتدّعي إنها وصلت للمرحلة دي .. و لكن ده فأحيان كتير جداً بيكون مٌجرد إدعاء .. و بيفضلوا يزعقوا فكل مكان و لأى حد بـ : سيبوني لوحدي .. إنتوا مش سايبني لوحدي ليه ؟! .. أنا باحب الوحدة .. يا جمااااااااااعااااااااااااااة .. أنا باحب الوحدة 🤣😅 .. مش شايفين أنا باحب الوحدة إزاي ؟! . في الحقيقة هما مش بيحبوا الوحدة إطلاقاً .. بالعكس .. هي أحد اكبر كوابيسهم .. لكن بشكل واعي أو غير واعي .. بيتصرفوا التصرّف المٌزعج ده ( إنهم يروحوا فوسط التجمعات و الحفلات .. و بعدين يعملوا نفسهم متأففين و عميقين و عايزين يكونوا لوحدهم ) .. لسبب بسيط جداً .. و هو رعبهم من إحساس الرفض .. و بيظنّوا إن إدعاءهم إنهم راغبين في الوحدة ده .. حيخليهم محميين من ألم الرفض .. أو يجعلهم مرغوبين أكثر و مميزين أكثر وسط اللي حواليهم . . هو مٌجرّد تصرّف طفولي جداً عموماً .. زي الطفل اللي بعد ما يفضل يلح عليك لمدة ساعة عشان تديله لعبة .. و بعد كده تعرض عليه لعبة تانية مثلاً .. يهز كتفه و يمتعض و يقول لك ” مٌش عايز ” 🤣 . . عند مرحلة معينة في ناس بتكبر و تنضج و تبطّل التصرفات دي .. و ناس تانية بتفضل تتصرّف بنفس الطريقة الطفولية المٌقززة دي .. لأنها لا تٌناسب سنهم .. إطلاقاً . … في مقولة مشهورة جداً ل كاتب إسمه ( ديفيد فوستر والاس ) بتقول : لو عندك مناعة ضد الملل , تقدر تحقق أى حاجة في الدنيا . . لمدة سنوات كنت مفكّر إن نيوتن هو اللي قال المقولة دي 🤣 .. لأنه ( نيوتن يعني ) .. عاش أغلب حياته وحيد .. جداً .. … عصرنا الحالي اللطيف اللذيذ ده .. بالإحصائيات هو أعلي نسبة وحدة عدّت علي البشرية في تاريخها .. مٌتخيل ؟! .. كل السوشيال ميديا و وسائل الإتصالات دي … و أعلي نسبة وحدة في التاريخ !! . اللي هو أنا فترة كليتي و شبابي .. كنّا بنتواصل بال ( رنّة ) 🤣 .. آه والله العظيم .. و أصدقائي كان لهم الكود الخاص بيهم .. تقريباً لو متذكر كان : رنتين متتاليين يعني حجزت لك في العربية التانية في القطر .. رنتين منقطعين يعني ماحجزتش لك .. 3 رنّات يعني حد فيهم بيتخانق تقريباً 🤣🤣 .. . و الأجيال اللي قبلنا .. ماكنش في موبايلات من الأساس .. فكرة كروت ميناتيل ( بتاعت أيام إعدادي و ثانوي بتاعتي ) كانت فكرة ثورية في عالم أبويا و أمي .. و فكرة التيليفونات نفسها … أبويا نفسه ربنا يحفظه كان لسة بيحكيلي إمبارح .. إن الحي بالكامل .. 40 بيت أو أزيد .. كان بيبقي في تيليفون واحد فيه يخدّم علي الحي بالكامل . … طيب .. ده حصل إزاي إذن ؟! .. إن كل ما وسائل التواصل زادت .. كل ما الوحدة زادت .. . الحقيقة إن الموضوع مالوش علاقة بوسائل التواصل إطلاقاً .. و لكن له علاقة ب حرية التفرّد ( individualism ) .. . وسائل التواصل ما هي إلا خاصية واحدة فقط .. من خصائص عالمنا الحالي .. باقي الخصائص كلها .. بتخدّم علي شيء أساسي .. هو : فرديتك . مسلسلك المُفضّل الخاص بيك المٌختلف عن المسلسل المفضّل بتاع أخوك . حتي لو أخوك أو صديقك بيتفرّج علي نفس المسلسل .. مش حتشوفوه مع بعض .. لا .. كل واحد بيشوفه لوحده .. إنت بتتفرج علي حلقة .. هو بيتفرج علي تلاتة مثلاً .. . و بعدين ؟! عالم السوشيال ميديا الخاص بيك .. هو خاص بيك إنت لوحدك فقط .. لغة الميمز اللي إنت بتتكلمها .. مش لغة تواصل .. و لكن لغة تقاطع 😅 . .. يعني إيه الجملة اللي فاتت دي ؟! . . يعني .. إنت لما بتبعت ( ميم ) ل حد .. إنت مش بتتكلّم معاه .. مش بتتبادل معاه حوار .. مش بتسمع و تتسمع .. و لكن بتبعت وجهة نظر جاهزة مطبوخة لها طعم مميز .. لا إنت أعددتها .. و لا هو إستمتع بيها .. و لكن بتدّي وهم الشبع . . و النتيجة ؟! . إنك بعد يوم مليء بتبادل الميمز مع الأصدقاء .. ب تلاقي نفسك عندك تٌخمة من الإنطباعات و الأفكار و الوهم … لكن جعان للكلام و التواصل الحقيقي . … كل لحظة بتعدّي عليك جوة عالمك المتفصّل عليك لوحدك ده .. بتملاك بجوع أكتر .. بتخلق جوّاك إحتياج إنك تتكلم أكتر .. تتكلّم مع حد .. مش عشان ينصحك .. مش عشان يعلّمك .. مش عشان تنصحه .. مش عشان تعلّمه .. و لكن عشان تحس بحاجة إسمها ( Mutual validation = يعني إنك متشاف .. و إنك شايفه ) .. … اللي هو نفس إحساس الإطمئنان اللي بتحس بيه لو النور قطع فجأة .. و ناديت علي حد معاك في الشقة .. لقيته صاحي .. نفس إحساس إنك ماشي علي طريق صحراوي مهجور الساعة 3 الفجر .. و لقيت ميكروباص محمّل عيلة راجعين من فرح مثلاً 🤣 . … و ده اللي بيخلّي الكلام مع الأهل مش دايماً هو ال (ممتع ) .. لأنه بيبقي ( نصح أو تعليم أو لوم أو إستجواب أو … ) .. يعني كلام ( موجٍّه - بكسر الجيم ) .. يعني مش بتحس إنك حر تسوق علي مزاجك . .. لكن بيخلي الكلام مع شخص راكب القطر جنبك و متأكد إنك مش حتشوفه تاني .. ممتع و مريح .. د أحمد خالد توفيق رحمة الله عليه كان شرح ده في كتابات كتير له . … زماااااااااااااااااااااااان .. الإنسان أول ما كان بيشعر بآلام الوحدة دي .. كان بيدوّر في حدود الوسائل المٌتاحة له .. علي إشباع لجوع الألم ده .. أصدقاء في الشارع أو الحارة , أقارب , معارف , … .. و كان بيتعلم يتعوّد و يتأقلم و يألف و يتحمّل لو كان المٌتاح مش هو اللي بيحلم بيه .. و ده له عوامل إيجابية ضخمة .. .. يعني .. إنت ممكن تكون قارئ نهم جداً جداً .. بتدوّر علي صديق يشاركك إهتماماتك و قراءاتك .. لكن مٌحيطك مافيش فيه غير ناس مش بتستمتع بالقراءة .. حالياً ؟! .. إنت مستحيل تبني معاهم صداقات … لأنك حتلاقي ألف وسيلة علي السوشيال ميديا تحس بيها بوهم التواصل .. و بتكون النتيجة هي : إنك تطلع ناقص تغذية حقيقية .. أنيميا في التكوين الإجتماعي . .. لكن زمان ؟! .. زمان إنت كنت بتبقي مٌجبر تقعد معاهم .. تحاول مرة و إتنين و عشرة .. و تترفض منهم .. و هما كمان يحاولوا معاك مرة و إتنين و عشرة .. و ترفضهم .. لحد ما تتعلموا تلاقوا لغة حوار مشتركة .. بتخلقوها مع بعض .. و بتغذيكم إنتوا الإتنين . … لكن دلوقتي .. الطفل الصغير .. أول ما بيقرّب علي البلوغ .. بيكتشف إن قارب السوشيال ميديا اللي الأهل وضعوه في إيديه من طفولته ( موبايل , تيليفزيون , تابلت , … ) جرفه لبعييييييييييييييييييييييييد جداً .. . و بإستحقاقية طفل غير واعي .. بيبدأ يلوم كل اللي حواليه علي إنهم بعيد .. و مش مدرك إنه هو اللي بينجرف بعيد عنهم كل يوم .. مش هما اللي بيبعدوا .. . و بعدين بيلاقي عالم بعيد وهمي متفصّل علي أحلامه .. لغة خاصة و مصطلحات جديدة مش مفهومة بالنسبة للأهل الوحشين اللي هجروه .. ناس مش بيلوموه علي أي شيء , مش بيوجهوه لأى شيء , فبيشعر بإستقلالية كاملة و هو مفكّر إنه هو اللي بيسوق القارب ده .. في حين إن القارب مٌجرّد ريشة في تيار قوي جداً . . و عند مرحلة مٌعينة .. دايماً بيبدأ يكتشف إنه جعان أوي .. جعان لتواصل بشري حقيقي .. و إن كل الإشباع اللي كان بيحصل عليه حتي الآن .. مٌجرد وهم . . و لكنه بيكون لسة مايقدرش يخلق ( ويلسون ) الخاص بيه .. و قبل ما يجبره جوعه علي ده .. بيلاقي إيدين ممدوده له .. إيدين فاهمة كويس جداً جداً جداً جداً … إنه جعان . و في أحيان كتير جداً .. جداً .. الإيدين دي .. بتستغل الجوع ده .. و تقدّم سم . … كلامي ده كله .. مش مٌوجه للأطفال .. الأطفال ماعندهم وعي ب يعني إيه ( تمن ) .. الطفل بيطلب الحاجة .. و يعيّط عشان ياخدها .. بدون إدراك يعني إيه ( تمنها ) . . كلامي موجه للي كبروا .. و فاهمين إن كل شيء في الحياة .. بلا إستثناء .. له تمن . . الإشباع النفسي اللي بتحس بيه في علاقة ما .. له تمن .. إما إنك تدفعه عن وعي … أو حيتاخد منك غصب عنك .. زيادة أوي .. و بالسرقة .. . يعني إيه ؟! . يعني .. عايز تحس بإشباع نفسي ؟! .. لازم تدفع تمن من راحتك .. من غرورك .. من كبريائك .. و تتحرك في إتجاه اللي حواليك .. تدور علي أرض مٌشتركة بينك و بينهم .. لغة مٌشتركة .. تحاول تفهمهم زي ما حاتطلب منهم يحاولوا يفهموك .. و علي قدر ما حتدفع .. علي قدر ما حتاخد من قيمة .. و تواصل .. و إشباع نفسي . . لكن .. لو عايز تحس بالإشباع النفسي ده .. و إنت فمكانك .. بدون أى تمن تدفعه .. إذن اللي حيقدّم لك الإشباع ده .. شخص مش حقيقي .. و لكن تاجر .. تاجر واعي جداً .. و عند مرحلة مٌعينة .. حيطلب مٌقابل اللي قدّمه لك .. أضعاف . … و لو إنت مسئول عن طفل .. رجااااااااااااااااااااااءاً .. ماتحطهوش في قارب ( موبايل , تابلت , … ) و تنتظر إن التيّار مايجرفهوش .. أو تنتظر إنه هو اللي يسوق .. … و الله أعلم .